الجصاص

170

أحكام القرآن

الأختين جميع ذلك مباحا ، فعلمنا أن تحريم من ذكر تحريم الجمع بينهن في الخبر لم يكن قبل تحريم الجمع بين الأختين ، وإذا امتنع أن يكون الخبر قبل الآية لم يخل من أن يكون معها أو بعدها ، فإن كان معها فلم ترد الآية إلا خاصة فيمن عدا ما ذكر في الخبر تحريم جمعهن ، وعلمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك عقيب تلاوة الآية وبين مراد الله تعالى بها ، فلم يعقل السامعون للآية حكما إلا خاصا على ما بيناه . وإن كان حكم الآية استقر على مقتضى عموم لفظها ثم ورد الخبر ، فإن هذا لا يكون إلا على وجه النسخ ، ونسخ القرآن جائز بمثله لتواتره واستفاضته وكونه في حيز الأخبار الموجبة للعلم والعمل ، فإن لم يثبت عندنا تاريخ الآية والخبر مع حصول اليقين بأنه غير منسوخ بالآية لأنه لم يرد قبلها على ما بينا آنفا ، وجب استعماله مع الآية . وأولى الأشياء أن يكون الآية والخبر وردا معا ، لأنه ليس عندنا علم بتأريخهما ، وغير جائز لنا الحكم بتأخره عن الآية ونسخ بعض أحكام الآية به ، لأن ذلك لا يكون إلا بعد استقرار حكمها ، وليس عندنا علم باستقرار حكم الآية على عمومها ثم ورد النسخ عليها بالخبر ، فوجب الحكم بورودهما معا ، ولأن الآية والخبر إذا لم يعلم تاريخهما وجب الحكم بهما معا ، كالغرقى والقوم الذين يقع عليهم البيت إذا لم يعلم موت أحدهم متقدما على الآخر حكمنا بموتهم جميعا معا ، والله أعلم . باب تحريم نكاح ذوات الأزواج قال الله تعالى : ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ) عطفا على من حرم من النساء من عند قوله تعالى : ( حرمت عليكم أمهاتكم ) ، فروى سفيان عن حماد عن إبراهيم عن عبد الله : ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم ) قال : " ذوات الأزواج من المسلمين والمشركين " . وقال علي بن أبي طالب : " ذوات الأزواج من المشركين " . وقد روي سعيد بن جبير عن ابن عباس : " كل ذات زوج إتيانها زنا إلا ما سبيت " . قال أبو بكر : اتفق هؤلاء على أن المراد بقوله تعالى : ( والمحصنات من النساء ) ذوات الأزواج منهن وأن نكاحها حرام ما دامت ذات زوج ، واختلفوا في قوله تعالى : ( إلا ما ملكت أيمانكم ) فتأوله علي وابن عباس في رواية ، وعمر وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر : أن الآية إنما وردت في ذوات الأزواج من السبايا أبيح وطؤهن بملك اليمين ووجب بحدوث السبي عليها دون زوجها وقوع الفرقة بينهما ، وكانوا يقولون : إن بيع الأمة لا يكون طلاقا ولا يبطل نكاحها . وتأوله ابن مسعود وأبي بن كعب وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وابن عباس في رواية عكرمة : أنه في جميع ذوات الأزواج من السبايا وغيرهم ، وكانوا يقولون : بيع الأمة طلاقها . وقد حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا